recent
عاجل
Home

الشطرنج اهم أسلحة الحرب الباردة



الساعة الخامسة مساء يوم الثلاثاء الموافق 11 يوليو/تموز 1972 يملأ الجمهور مقاعده في قاعة لوغاردشول في مجمع ريكيافيك الرياضي بآيسلندا، الروسي بطل العالم للشطرنج بوريس سباسكي البالغ من العمر 35 عاما يجلس وحده على رقعة الشطرنج، ليلعب بالأبيض، على رأس الساعة يضغط الحكم الألماني لوثار شميدا زر بدء المباراة. سباسكي يلتقط بيده اليمنى البيدق ويحركه مربعين إلى الأمام في محاولة للدفاع عن لقبه كبطل للاتحاد السوفيتي منذ ثلاثة أعوام ولقب بلاده دون انقطاع منذ الحرب العالمية الثانية. في الطرف الآخر من الرقعة كرسي دوار مكسو بالجلود السوداء فارغ تماما حتى الآن وقد يظل فارغا حتى نهاية المباراة.
بعد 6 دقائق من بدء المباراة يصل المنافس الأميركي بوبي فيشر، تنفس الجمهور الصعداء، بوبي كان من الممكن أن لا يظهر على الإطلاق، الآن يد كبيرة تصل إلى رقعة الشطرنج، تنقل فارس الملك الأسود إلى المربع f6 لتبدأ مباراة، تعد مباراة القرن من كل الجوانب. الحضور والجمهور والمحللون يعرفون الآن أنهم يحضرون مباراة هي الأهم عبر التاريخ.

إذا لم يكن بإمكانك شن حرب نووية، فبإمكانك إحراز بطولة العالم للشطرنج

منذ بطرس الأكبر وروسيا هي الدولة الأكثر إنتاجا لأبطال الشطرنج في العالم، بدأت سيطرة الروس على اللعبة إبان الحرب العالمية الثانية، واستُخدم الشطرنج سياسيا في رسالة إلى العالم بأن "النظام الشيوعي هو الأقدر على إنتاج رجال مفكرين". كان الاتحاد السوفيتي آنذاك ممثلا في بوريس سباسكي، والولايات المتحدة الأميركية ممثلة في بوبي فيشر، وكان لا يخفى على الجماهير والمتابعين تأثير هذه المباراة ودورها في اللعبة السياسية، مما صنع زخما إعلاميا كبيرا. 
   

كانت المباراة غارقة في صبغة سياسية في ذروة الحرب الباردة، وكان لقب العالم حكرا على رجال الاتحاد السوفيتي، السوفييت يدعمون اللعبة ويدفعون بالموهبة تلو الأخرى، في حين أن فيشر درس الشطرنج في عزلته، كانت موارد الاتحاد السوفيتي كلها تحت قدم سباسكي، وكانت القيادة السوفيتية ورجال المجال الرياضي الروس جميعا مهتمين بقضية واحدة هي كيفية منع فيشر الأميركي من أن يصبح بطل العالم.
لماذا تأخر فيشر عن المباراة؟
لم يكن فيشر قد وقّع أي أوراق توثق مشاركته في المباراة، أشياء كثيرة لم تعجبه ليضع شروطه عليها كالنسب المئوية لحقوق البث التلفزيوني، وقدر الجائزة المالية للفائز، حيث تبرع أحد محبي الشطرنج البريطانيين "بولي أوت" للجائزة آنذاك بـ 125.000 دولار، كما اتصل هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي وقتها بفيشر كل ذلك لإقناعه بالمشاركة: "نريدك أن تذهب إلى آيسلندا لتهزم الاتحاد السوفيتي".

بدأت المباراة التي يجب الفوز فيها بأي ثمن من قِبل الطرفين، يخسر فيشر أول جولتين على نحو غير متوقع، فيشر الذي انشغل بنزاعه مع الكاميرات ورفض اللعب إلا إذا أزيلت كاميرات التلفزيون من قاعة اللعب. وافق سباسكي على رغبة فيشر أن ينتقل اللعب إلى غرفة صغيرة بجوار القاعة، الروس غاضبون من سباسكي، لا يريدون منه أن يوافق على شروط "بوبي"، كانوا يرون أنه بذلك يجعله هو محور الأمر ويجعل المباراة مباراته هو لا مباراة سباسكي، لكن سباسكي كان يريد للمباراة أن تتم، كان يثق بنفسه في الفوز، فتناسى تماما النصائح المقدمة إليه بأن: "لا تجعل كل شيء تحت سيطرته"، لكن يبدو أنهم كانوا على حق، يفوز فيشر بأول جولة على سباسكي للمرة الأولى له، لينتقل اللعب إلى القاعة الكبيرة مرة أخرى ولكن بدون الكاميرات ليفوز فيشر أيضا في الجولات الخامسة والسادسة والثامنة والعاشرة! فيشر أصبح طاغية الشطرنج الذي لا يُهزم، وصاحب أول لقب لبطولة العالم للشطرنج يحسب للولايات المتحدة وصاحب الحسم في إحدى معارك الحرب الباردة آنذاك

author-img

اكاديمية اتحاد فتح انزكان

Comments
    NameEmailMessage