recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

فهمك لقوانين اللعبة لا يعني ذكاءك بالضرورة




النقد المبكر للعقل الأداتي
 وجد الراوي، الذي كان يحاول استدراج البطل الأبله كما وصفه زفايج للحديث، جلافة غير مسبوقة من "زينتوفيك"، قرر إغراءه بالشيء الوحيد الذي يتقنه في هذا العالم، وداخل حجرة التدخين على متن السفينة، جلس الراوي يلعب الشطرنج مع أحد المسافرين، فرآهم "زينتوفيك" ونظر إليهم شزرا وانصرف، فيئس الراوي من محاولاته وبث همه للرجل الذي يلاعبه، وكان رجل أعمال ثريا يسمى "ماك كونور"، والذي غمرته الحماسة حتى احمرّ وجهه وانتفخت أوداجه واهتزت أكتافه عندما علم أن بطل العالم للشطرنج على متن السفينة نفسها، وأقسم على تحديه في مباراة للشطرنج. 
يرفض "زينتوفيك" بغرور اللعب مع "ماك كونور" إلا بمقابل مادي، وبعد أن يتلقى عرضا مُغريا من شخصية ثرية، يوافق بطل العالم على أن يلعب مع "لاعبين من الدرجة الثالثة" مقابل مبلغ مالي لا يستهان به، وبرغم أن "زينتوفيك" وافق أن يُلاعب نحو ستة أفراد مجتمعين ويترك لهم فترة لا تتجاوز عشر دقائق، يترك فيها طاولة اللعب ليسمح للاعبين أن يتشاوروا فيما بينهم، فإنه هزمهم هزيمة ساحقة دون أي جهد يُذكر. فاستشاط "ماك كونور" غضبا، إذ كيف يكون هناك من هو أفضل منه، وطلب مباراة أخرى، فوافق "زينتوفيك"، وقبل أن تنتهي الجولة الثانية بهزيمة أخرى نكراء، تحدث المفاجأة، حيث تنقلب كفة اللعب بتدخل السيد "ب" وتتحول وجهة الرواية من رقعة الشطرنج إلى الحرب العالمية الثانية مباشرة. 

يبدو هذا التحول للوهلة الأولى ملائما على مستوى السرد وحده، فمن الطبيعي أن يذكر المؤلف قصة البطل الثاني في الرواية بعد "زينتوفيك" والذي سيلحق به هزيمة سيتعجب هو نفسه منها، لكن زفايج قد أعد لهذا الحدث من حيث الرمزية والفلسفة التي سبقت هذا التحول في السرد، فقد رسم المؤلف شخصية "زيتوفينك" على حال الإمكان الأقصى لنموذج الإنسان الذي شكّلته الحضارة الغربية الحديثة في أوروبا.
فهو نموذج الإنسان "الموظف/البيوقراطي" أو الأبله المتفوق في تخصصه دون أي قدر من الخيال أو الذكاء، وقد سماه هربرت ماركوز الإنسان "ذا البعد الواحد" الذي يمتلك عقلا أداتيا، يستخدم عقله في عمليات إجرائية في منتهى العقلانية، لكن دون أي غاية أو على الأقل دون غاية عقلانية. يطرح زفايج ذلك الأمر بشكل واضح في روايته، فـ "زينتوفيك" بطل العام يتميز بعقل أداتي في شكله النموذجي، عقل لا يجيد خلق أي إبداع أو التفكير في أي قيمة إلا القيمة المادية، وفي الوقت نفسه هو عقل متفوق في فهم الإجراءات وتسلسلها، وهو ما جعله متفوقا في لعبة الشطرنج.  وهو ذاك العقل الذي شرح الفيلسوف زيجمونت باومان في كتابه "الحداثة والهولوكوست" أنه العنصر الأساسي في المحرقة، حين كان الموظف ذو العقل الأداتي يقوم بعمله في وضع الوقود أو غلق الباب أو إشعال الجحيم دون أن يشعر بأي ذنب.
و علّق يحيى حقي على ذلك الأمر قائلا: "ومن هنا نحس أن أسلوبه لا يلتهم السرد فحسب بل ينهشه نهش الغول، هكذا يصل إلى قرار النفوس فيكتشف سرائرها، وكشف سرائر النفوس هو أول شيء يشوقه، لا هم له غيره، إنه لا يعيش إلا له، بهذه المتابعة الظمأى للمعرفة قام ستيفان زفايغ في "لاعب الشطرنج" بتشريحين، في الأول كسر جمجمة هذا الفتى الجلف الغبي الخام المعتم الذي لا عمل لجسده إلا أن يحجب الضوء دون أن ينبعث منه شعاع واحد يصافح به الكون والناس فيدل على يقظة إنسانيته، كيف ولماذا ومن أين تأتي له أن تتلألأ في مخه الصدئ موهبة واحدة فحسب هي موهبة لعب الشطرنج، فيصبح على رقعته بطل العالم المنتصر في كل موقعة، إذن ما سر مخ الإنسان؟ وكيف يعمل؟ وهل تترابط أو لا تترابط قنواته؟ ما سر الذكاء؟ أفمن الجائز أن ينحصر ويتخصص في بؤرة صغيرة في هذا المخ ومن حولها خلاء تام، عن طريق جمجمة لاعب الشطرنج؟ يريد زفايج أن يطل ونحن معه على مخ الإنسان عامة، أن سره يحيّره ويشوقه ويتحداه..."
المواجهة الأخيرة.. هزيمة الحرية
بينما كان اللاعبون الستة على وشك الانهزام من "زينتوفيك" وعندما حمل "ماك كونور" القطعة الخشبية ليلعب لعبته الأخيرة واثقا من هزيمته، فإذا بشخص مجهول، نحيف، ذي وجه برزت عظامه، كأنه رجل سبح ليالٍ طويلة في بحر من المخاطرات المميتة، إذا به يترجاه أن يتوقف عن لعبته، ويقترح عليه حركة أخرى بدلا منها، ولأول مرة يضطر "زينتوفيك" للجلوس على المنضدة والتفكير، حتى انتهت المباراة بالتعادل، واتفقوا على مباراة أخرى يتحدى فيها السيد "ب" بطل العالم "زينتوفيك"، فمن هذا السيد المجهول؟ 
الدكتور "ب"، أو السيد "ب"، هو شخصية زفايج المحورية الثانية في الرواية، وهو نمساوي ينتمي إلى أفراد عائلة كانت مقربة من القصر الإمبراطوري في فيينا، وهم كاتمو أسرار الأمراء والنبلاء والوجهاء ومديرو أموالهم وأملاكهم، فكانت واجهاتهم المالية ناصعة البياض، لكن هذه العلاقات المتشابكة كانت وبالا على الدكتور "ب" الذي تم اعتقاله على يد جهاز الأمن الألماني "الجستابو"عقب احتلال النمسا ومطاردة كل رموز العهد المنتهي.
بيد أنه بدلا من السجن أو المعسكر تم اعتقاله في فندق راقٍ، حيث وجد ذاته في مواجهة حادة مع الفراغ القاتل ودورات التحقيق التي لا تنتهي، محبوسا في غرفة نظيفة من سرير ومرحاض ونافذة مغلقة بقضبان حديدية، فريسة للوحدة القاهرة، لا يعرف شيئا عن الخارج، ولا يعرف شيئا عن الوقت، وغير مسموح له بالحديث مع أي شخص، لأنه لا يوجد أصلا شخص يكلمه سوى المحققين، أما الحارس، فممنوع عليه أن يحدثه، ولو تكلم إليه لا يرد الحارس بكلمة ولا ينطق بحرف، حتى شعر أنه مُلقى في بئر مظلم، وهو لا محالة في عداد الموتى. 
حاول السيد "ب" داخل محبسه أن يتذكر كل ما يحفظه من الشعر والأدب والأغاني، لكن عقله أبى إلا أن يفكر في حديث المحققين، حتى شعر السيد "ب" أنه على حافة العدم، يكاد أن يفقد عقله، إلا أنه في إحدى مرات ذهابه إلى جلسات التحقيق، ينجح في العثور على "كتاب" ويخفيه تحت ملابسه، وعندما عاد لغرفته، جلس يتحسسه، فرحا لا يصدق أنه أخيرا قد حصل على كتاب، شخص يكلمه، شيء يستمد منه أفكارا جديدة، لكن ما إن فتح غلافه حتى أصيب بخيبة أمل كبيرة، فقد وجده كتابا يتكلم عن الشطرنج.
وبينما كان السيد ليطيح بهذا الكتاب السخيف في وقت آخر، أصبح هذا الكتاب ملاذه ومنقذه من ظلام العدم، فكان السيد "ب" يقرأه طوال الوقت، حتى حفظ ما فيه من فنون لعبة الشطرنج فضلا عن مئة وخمسين شوطا من أشهر المباريات العالمية في هذا المضمار، ثم بدأ السيد بتخيل رقعة الشطرنج في عقله، وإقامة المباريات في عقله، يلعب ضد نفسه، فكان يلعب يوميا نحو ست مباريات، وهو غائب عن الوجود كله، ينحصر تركيزه داخل عقله، وحكى السيد "ب" أن الحارس كان يراه منفعلا يصيح ويسب شخصا آخر غير موجود، حتى أُصيب بانهيار عصبي حاد نُقل على أثره إلى المشفى، ثم بعد استرداده لعافيته ساعده طبيبه في استخراج الأوراق اللازمة لمغادرة البلاد، فوجد نفسه على متن تلك السفينة.
كانت قصة السيد "ب" هي التفسير الخفي وراء تفوقه على الفتى "زينتوفيك" بطل العالم للشطرنج، فقد أمضى السيد أكثر من 6 أشهر وهو يلاعب نفسه، وقد حفظ في عقله كل خطط وحركات قطع الشطرنج، لكن التفسير الأكثر رمزية، والذي يورده زفايج في ثنايا روايته، هو الانفراد والعزلة القاسية التي عاشها السيد "ب"، ففي مقابل حريته مُني السيد بشعور فردي عالٍ اقترب على أثره من الموت، فيضع زفايج هنا الصورة النموذجية للعقل الأداتي في مقابل الصورة النموذجية للفردية والشوق للحرية، وهو ما أسقطه زفايج على نفسه، فجعل الموت مرتبطا بالإحساس العالي للفردية ومن ثم السعي للحرية حتى لو بالانتحار.
الحرية أو الموت.. رسالة زفايج الأخيرة
يذهب عبدالرحمن بدوي في كتابه "الزمان الوجودي" إلى أن الموت يعتبر مشكلة لدى الإنسان عند من هم على درجة عالية من الإحساس بفرديتهم فيقول: "نجد أن التفكير في الموت يقترن به دائما ميلاد حضارة جديدة، فإن ما يصدق على روح الأفراد يصدق كذلك على روح الحضارات. وهذه الفكرة قد فصّل فيها شبنجلر وأوضحها تمام التوضيح" ، لذلك ينتقد بدوي إفناء شخصية الإنسان في الروح الكلية، لأن ذلك لا يلغي الإنسان فحسب، بل يشوه حقيقته الوجودية وبالتالي يشوه موته.
"وتقتضي فكرة الشخصية عند بدوي بالضرورة فكرة الحرية، فلا وجود لإحداهما من دون الأخرى، وذلك لسببين: الأول أن لا مسؤولية من دون شخصية ومن دون حرية، والثاني أن الحرية هي الاختيار ولا اختيار إلا بالنسبة إلى شخصية بعينها.. حيث إن طبيعة كل من الحرية والموت تقوم على فكرة الإمكانية، إذ إن قدرة الإنسان على الموت هي أقصى درجات الحرية عند بدوي. هنا لا بدّ أن نشير إلى أن بدوي قام في كتابه "الزّمان الوجودي" الصادر عام 1945 بالربط بين فكرتي العدم والحرية، إذ اعتبر أن العدم داخلٌ في تركيب الوجود، وهو الهوّات الموجودة بين الذوات، وبذلك يصبح أصل الفردية، وبما أنه لا يمكن فصل الحرية عن الفردية فإن بدوي يعتبر أن "العدم هو أصل الحرية"".  
الأمر نفسه الذي يطرحه زفايج في روايته، حيث إن حالة الصراع مع العدم التي مر بها السيد "ب" أورثته إحساسا عاليا بالفردية ومن ثم عمقت شعوره بالحرية، حتى إنه قرر عدم لعب الشطرنج مرة أخرى، ليتحرر بشكل كامل من تجربته السابقة، وفي ذات الوقت يخبرنا زفايغ عن نفسه، التي قررت الانتحار وفضلت الموت بحرية على شعور العجز في عالم تحكمه روح الحداثة المرتبطة بالإبادة والتدمير وديكتاتورية الجماهير المنساقة وراء جنرالات الحرب.
يكمل يحيى حقي تعليقه: "والتشريح الثاني هو للنفس لا للمخ، نفس رجل متمدن مثقف متصل بالعالم أوثق اتصال، فعال ومنفعل، مؤثر ومتأثر، يريد زفايج أن يعرف التحولات البشعة التي تحدث لهذه النفس حين يُحكم على صاحبها بالحبس الانفرادي في زنزانة ضيقة، ليس بها إلا طاقة صغيرة عالية ينفذ منها نور أقرع بلا مرئيات فهو والظلام سواء… تحولات مرعبة، ليس نفسية فحسب بل بيولوجية، فقد أقنعنا زفايج أن أقسى تعذيب للإنسان هو الحبس الانفرادي".  
وهكذا، في عمل أدبي فذ، وضع زفايج رسالته الأخيرة في صورة تحدٍّ فوق رقعة يتخالط عليها الأبيض والأسود، تحدٍّ بين عقلين ونموذجين يمثلان قطبي الحضارة الغربية، تحدٍّ بين الوجود والمنطق، بين العقل الحداثي والحرية.
author-img

اكاديمية اتحاد فتح انزكان

تعليقات
    الاسمبريد إلكترونيرسالة