recent
عاجل
Startseite

الشطرنج والسياسة



في ثورات الربيع العربي استخدم كثيرون ممن انخرطوا في العمل السياسي أو العام لعبة الشطرنج في مواضع مختلفة كأداة استدلال على بعض الأفكار أو مديح ذكاء بعض الأشخاص أو هجاء آخرين، لكن كثير من هذه الاستدلالات لم تكن في موضعها ولم تكن تعبر عن روح الشطرنج الحقيقة أو كانت قياس في غير محله، على الرغم من أن الشطرنج لعبة لها ذلك العمق الذي يتكون من شقي المنطق والخيال معاً، والتفوق والانتصار فيه يقوم على الدراسة النظرية والإبداع.

وبالتحديد  كان مفيدا لي وللبعض أن أجتهد هنا في ذكر ماهية لعبة الشطرنج وفلسفتها وكيف يتم تقييم المواقف فيها، وتصحيح بعض ما رأيته خاطئا في الاستدلال به، فطريقة التقييم هذه يمكن لأي فرد منا استخدامها في شؤون السياسة وعالم الأعمال، مع مراعاة الفوراق بين عالم الحقيقة وعالم الـ64 مربع الذي ننطلق منه
حيث الهدف الرئيسي الذي يسعى إليه كلا اللاعبين المتبارين هو تهديد "ملك" الخصم بحيث لا يمكن الدفاع عن هذا التهديد، وهو ما يُعرف بــ"تشك مات" وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف يسعى كلا الطرفين إلى إلحاق خسائر كثيرة بالخصم لفتح الخطوط من أجل الوصول إلى "ملك" خصمه، وفي نفس الوقت يدفع عنه أي تهديدات محتملة على أن يتم ذلك كله في مدة تفكير زمنية للمباراة تقسم بالتساوي بين الطرفين يخسر فيها الطرف الذي ينتهي وقته قبل قبل إنهاء الدور، وثمة أنظمة كثيرة لكن لا داعي لشرحها، فالهام من هذه النقطة هو معرفة أنك تحت تملك "زمن محدد" لإنجاز مهمتك كما في الحياة وهذا الزمن كما الحياة أيضا لا أفضلية فيه لعربي على أعجمي ولا غني على فقير.

ومن خلال هذه النقطة التعريفية أرى أن المثل الشائع بأن الملك في الشطرنج يسخر كل من حوله كعبيد للدفاع عنه والموت من أجله، هي فكرة خاطئة، يماثلها في شدة الخطأ في ذلك المقولة الشائعة "لا تكن مجرد جندي يقف في المقدمة لكي يضحوا بك من أجل أن ينجو الملك"، وغيرها، فالملك في الشطرنج هو أضعف قطعة وهو رمز معبر عن قدرتك على تحمل المسؤولية في الحفاظ عما هو مسؤول منك وتحقيق أهدافك في النهاية وفق عمل تراكمي منظم يبدأ منذ قرارك بإتخاذ الخطوة الأولى في اتجاه هذا الهدف.

 عكس ما هو شائع فإن الإنتصار التراكمي الذي تحققه وصولا للهدف لا يقاس فقط في أي لحظة بمقدار ما تمتلك من قوة مادية مباشرة ممثلة في عدد القطع فقط، بل أن الشطرنج يعلمنا أن القوة المادية قد لا تكون ذات قيمة حال فقدان العوامل الأخرى التي يجب أن تكون حاضرة خلال تقييمك للمراحل الثلاثة في المباراة "الافتتاحيات والأوساط والنهايات"، لكن ما هي تلك العوامل؟

أولا: الانتشار والمساحة
وبالتالي مسألة الانتشار وكسب المساحات ركيزتان أساسيتان عند تقييم أي إنسان لأي موقف في الحياة، كما في الشطرنج، فبقدر سرعة نشر قطعك مبكرا وتمركزها في أماكن حيوية على اللوحة وقدرتك على السيطرة على منطقة الوسط الصغير والوسط الأكبر كلما كان تقييم الموقف إيجابيا لصالحك ويساعدك على تجنب المخاطر، فامتلاك أدوات القوة دون معرفة كسب مساحات مؤثرة سواء بتمركزك في هذه المساحات أو مراقبتها يعني مجهودا مهدرا، لذا فإنه من الهام في بداية أي عمل السعي لتمركز أدواتك في أماكنها الصحيحة التي تجعلها تحقق تراكم على مستوى المساحات قبل القيام بأي عمل هجومي.

ثانيا: الفاعلية ومرونة الحركة
من المهم في الشطرنج أن تكون قطعك وأدواتك لها القدرة على الحركة وتكون ذات فاعلية في كل مواقفها، وهو أمر يغيب عن بال كثيرين حال تقيمهم لأي مشهد أمامهم، فسيطرتك وانتشارك على مربعات كثيرة دون أن يكون لقطعك حرية الحركة والمناورة والمبادرة أو المباداة في الهجوم يجعل مسألة تفوقك المساحي غير ذا قيمة، لذا فإنه وفقا لنوعية المباراة أو الافتتاح أو وضعية التشكيل تتحدد الأوزان النسبية لأهمية القطع، بعيد عن التقييم النظري لها.

على سبيل المثال فإن المبارايات التي تتميز بأنها مغلقة فإن الحفاظ على "الحصان" كسلاح أمر هام جدا بعكس المبارايات المفتوحة التي يكون للفيل أهمية قصوى بأكثر منه، كما أن وزيرا مقيد الحركة يخسر أمام ثلاث قطع مترابطة ومرنة في حركتها، وبالتالي خلال تقييمك لمواقفك عليك ملاحظة إلى أي مدى تحظى أدواتك وإمكانيتك لحرية حركة ومبادرة ومن ثم فكما أن قراءتك لنوعية الوضع الشطرنجي "مغلق – مفتوح – نصف مغلق" يساعدك على اتخاذ قرارات حاسمة في الإبقاء أو التفريط في قطعة ما كذلك الأمر في الحياة، عليك أن تقرأ نوع وضعك لتعرف أي الأدوات مناسبة له بعيدا عن التقييم المادي الظاهر لها وهو ما سيساعدك أيضا على اتخاذ قرارات مثلا تحويل وضع معقد إلى مفتوح أو العكس.

ثالثا: الوقت
والمقصود هنا ليس زمن التفكير المشار إليه سابقا، بل هو مدى قدرتك على تنفيذ استراتيجيتك على الرقعة أو إحراز تفوق تكتيكي عبر جملة من النقلات أو الخطوات المتتابعة، فالشطرنج كما الحياة، فإن خطواتك يقابلها خطوات مقابلة من الخصوم أو الحياة نفسها يجب أن تنتظرها، وبالتالي عند حسابك لأية خطوات في أي خطة ليس عليك فقط امتلاك أدوات القوة أو يكون لدى قطعك/أدواتك مرونة وفاعلية في الحركة، بل يجب أن يكون هناك وقت كافي لتفعيل هذا كله في ضوء ما هو ضدك في المباراة من الخصم أو من الخصوم/الظروف في الحياة.

ولذلك فإن كثيرين يمتلكون موقفا استراتيجيا قويا على اللوحة لكنهم لا يستطيعون ترجمة هذه الاستراتيجية بتكتيك صحيح يحول التفوق الاستراتيجي إلى تفوق حاسم، نظرا لأنهم لا يحسنون مراعاة الوقت وحساب عدد نقلات متتالية ومترابطة، وهو ما نجده في الحياة وبين التيارات والحركات السياسة أيضا، لذلك فكثيرون من اللاعبين الهواة لا يستطيعوا معاقبة خصومهم على أخطائهم لأنه نظريا يعرف أنه استراتيجيا أفضل، لكنه لا يمتلك المهارات التكتيكية اللازمة فيتوه بين الحسابات ويخسر في النهاية.

author-img

اكاديمية اتحاد فتح انزكان

Kommentare
    NameE-MailNachricht